نبذة عن طبيبك منذ 1997

رئيس التحرير د.حســام أحمد فؤاد

 ترتيب الموقع  
الترجمة القلب مراقبة الجودة الطبية دليلك للخير دليل المواقع الاسلامية الرئيسية
تعلم الانجليزية وامتحن تويفل الاورام ................... ابواب غير طبية استمع للقرآن الكريم بصوت قارئك  السمنة
.............................

..........................

صحة الاسنان ................... تعليم برامج الكومبيوتر بالعربية الرياضة
mrcs-egypt المفاصل الادوية والعلاج التغذية جامعات مصر أخبار مصر
ابحث الانترنت الزهايمر الصحة النفسية الملح اليودى  شركات الطيران  فاتورة التليفون |
ارسل رسالة الى المحمول  الحساسية التدخين عدو الصحة صحة الأم والطفل بعض مواقع التوظيف الممرضة المصرية
 موقع المكفوفين مرضى السكر ................... الابواب الطبية الحكومة المصرية وخدماتها  الطقس فى جميع مدن مصر
كيف نحارب المخدرات بالتحاليل الايدز اعضاء المهن الطبية ................... الصحافة المصرية والعالمية
 
DR. Hossam Ahmed Fouad

Promote your Page too
 
 
 
 

بهـــــــدوء
الســـــــادات مظلوما‏...!3‏
رجل السلام
بقلم‏:‏ إبراهيم نافع
 

 
 
ربما كان الكثيرون ممن انتقدوا السادات علي استعداد لأن يغفروا له كل ما يعتبرونه من خطايا للرئيس خطاياه لولا أنه ارتكب الخطيئة العظمي من وجهة نظرهم‏,,‏ وهي عقد معاهدة السلام المصرية‏_‏ الإسرائيلية‏.‏ والمدهش حقا هو أن هؤلاء النقاد كانوا علي استعداد لغض النظر عن جرائم كبري قام بها قادة عرب آخرون يصل بعضها إلي العدوان الغاشم علي دول عربية أخري‏,‏ وقتل الألوف‏_‏ وأحيانا عشرات الألوف من مواطنيهم ـ ماداموا لم يرتكبوا الذنب الأعظم بالعمل من أجل السلام‏,‏ ولو أدي الأمر في النهاية إلي استمرار احتلال أراضيهم‏!.‏
وقد بدأ انتقاد السادات لاتخاذه طريق السلام منذ بدأت المفاوضات لفصل القوات علي الجبهتين المصرية والسورية في عامي‏1974‏ و‏1975,‏ وكم كان الأمر مزعجا من زاوية المنطق والعدالة الفكرية والسياسية أن الهجوم علي ما قام به الرجل العظيم في هذه الفترة كان سائدا بقسوة‏,‏ بينما كانت سوريا تقوم بما كان يقوم به من محاولة لتحويل نتائج حرب أكتوبر إلي واقع علي الأرض‏.‏ ولعل زيارة الرئيس السادات للقدس في‏19‏ نوفمبر عام‏1977,‏ هي اللحظة الأكثر درامية في مسيرة الرئيس الراحل نحو السلام‏,‏ والتي أطلقت براكين الانتقاد واللعن والتخوين للرجل‏.‏ وما زالت الاتهامات حول تفريط السادات في مكتسبات الحرب‏,‏ وتبديده الإجماع العربي الذي تحقق في حرب أكتوبر‏,‏ وقودا لمعارك كلامية عاتية داخل مصر وخارجها ما فتئت تحاكم السادات في قبره‏,‏ وتنسب إليه غرس بذور الفرقة العربية تارة‏,‏ وتصب عليه اللعنات حين تتعثر مسيرة السلام‏,‏ التي قادها‏,‏ تارة أخري‏.‏
وعن هذه الزيارة التاريخية‏,‏ قال الكاتب الفرنسي تييري ديجردان في كتابه السادات‏..‏ فرعون مصر إن كارتر مثله مثل السادات‏,‏ فهم بسرعة أن التفاهم مع شخص متشدد مثل بيجين فيه فرص أفضل لدفع الأمور إلي الأمام‏,‏ عن التعامل مع الأشخاص المعتدلين المترددين الذين يتخوفون من اتهامهم بالخيانة من جانب ناخبيهم‏.‏

وفي يونيو‏1977‏ أرسل كارتر رسالة مكتوبة للسادات لم يفصح عن مكنونها‏.‏ وإن كنا نتصور أن كارتر استدعي كل الاحتمالات التي يمكن لرئيس وزراء إسرائيل بيجين أن يثيرها‏.‏ وقد يكون أشار إلي فكرة اللقاء وجها لوجه‏(‏ بين السادات وبيجين‏).‏
بعد هذه الرسالة بوقت قصير‏,‏ سافر السادات إلي رومانيا حيث التقي بالرئيس شاوشيسكو‏,‏ الذي كثيرا مالعب دورا مهما في مسائل الشرق الأوسط‏,‏ لما له من علاقات مع العرب وإسرائيل‏.‏ فشاوشيسكو يعرف بيجين‏,‏ فقد التقي به من عدة أسابيع في زيارة رسمية له لبوخارست‏.‏ والسادات سوف يسأله عنه‏.‏ هل هو يريد السلام؟ هل هو صادق في نياته؟ هل هو رجل صاحب إرادة قوية؟ ويرد عليه الرئيس الروماني بأن بيجين بلا شك صهيوني وصهيوني جدا‏,‏ ولكنه رجل سلام‏,‏ لأنه يعرف ماهي الحرب‏.‏ ولكنه أيضا‏(‏ بيجين‏)‏ حسب رأي الرئيس الروماني‏,‏ يريد أن يترك اسمه علامة في تاريخ الشعب اليهودي‏.‏

وفي أثناء سفره في طائرته الخاصة‏,‏ أخذ السادات يفكر مليا في الأمر‏,‏ وهو في طريقه في زيارة رسمية لطهران‏.‏ وواتته الفكرة‏,‏ فيطرحها علي إسماعيل فهمي وزير الخارجية‏,‏ الذي كان يجلس بجانبه‏,‏ وهو أنه ينوي الذهاب إلي القدس‏,‏ ويدعو معه في الوقت نفسه‏,‏ كلا من كارتر وبريجينيف وكالاهان وديستان وهواكوفنج‏,‏ الخمسة الكبار في مجلس الأمن‏,‏ للذهاب معه في هذه الرحلة‏,‏ ويتخيل السادات مؤتمرا كبيرا يحضره الخمسة الكبار مع دول المواجهة‏,‏ وهي سوريا والأردن ولبنان والفلسطينيون والمصريون‏,‏ من أجل أن نوضح لبيجين أننا قررنا الاستعداد الجدي لمؤتمر جنيف‏.‏
ولكن إسماعيل فهمي يعترض علي هذه الفكرة‏,‏ لأنه يري أن وجود الدول الكبري الخمس مع دول المواجهة في القدس يعني الاعتراف الدولي باحتلال المدينة المقدسة حتي من العرب أنفسهم‏.‏ وعلي الرغم من ميوله الأمريكية‏,‏ فإن فهمي يري في ذلك فخا وضعه الأمريكان لمصر‏.‏
ولكن علي الرغم من ذلك فإن السادات تحدث بالفعل عن خططه مع شاه إيران‏,‏ الذي كان يعتبره من أفضل أصدقائه‏.‏ ثم اتجه بعد ذلك نحو الملك الحسن الثاني ملك المغرب‏,‏ والذي كان دائما رجل اللقاءات السرية مع الإسرائيليين‏,‏ فقد كان يحب أن يلعب دور الوسيط‏,‏ ويؤمن بضرورة الاتصال المباشر وجها لوجه لحل المشكلات‏.‏ ونتذكر المقابلة الشهيرة بين عرفات وناحوم جولدمان التي سعي لعقدها‏,‏ ولكنها لم تحدث أبدا‏.‏

وفي أكتوبر‏77,‏ يعد الملك الحسن الثاني لقاء سريا بناء علي طلب السادات‏,‏ بين حسن التهامي ممثل رئيس الجمهورية وموشي ديان وزير خارجية إسرائيل‏,‏ في الرباط‏.‏ وحسب أقوال أبو إياد‏,‏ مسئول المخابرات في منظمة التحرير الفلسطينية إن وزير خارجية إسرائيل قدم وعودا مغرية بأنهم سوف يقدمون تنازلات كبيرة في حالة قيام الرئيس السادات بزيارة إسرائيل‏.‏ ومن ناحية أخري‏,‏ شجع ملك المغرب السادات علي القيام بهذه الرحلة‏,‏ وأكد أنها سوف تكون حدثا تاريخيا‏,‏ وأنه ـ أي ملك المغرب ـ سوف يكون أول من يسانده‏.‏
وفي التاسع من نوفمبر‏,‏ يعلن السادات في خطبته أمام مجلس الشعب المصري أنه مستعد للذهاب إلي آخر العالم حتي إلي إسرائيل لمقابلة المسئولين الإسرائيليين في بيتهم في الكنيستلو أن هذا سوف يساعد علي خدمة قضية السلام‏.‏
 
والمؤسف أننا في هذه المرحلة‏,‏ ونحن في أشد الحاجة إلي وضع سياسة السادات في الميزان‏,‏ لا نسمع سوي القليل من الأصوات المنصفة التي ترد للرجل اعتباره‏,‏ وتشير إلي أن السلام الذي أهدره شارون‏,‏ ونتحسر نحن عليه اليوم‏,‏ هو صنيعة السادات‏,‏ وإرثه الذي كثيرا ما استحق من وجهة نظر الرافضين عنه كل لوم‏.‏ فقد ارتبطت رحلة السادات إلي القدس‏,‏ ومسيرته نحو السلام‏,‏ منذ بدأها وحتي اليوم‏,‏ بحزمة من الاتهامات‏,‏ التي تحولت مع الزمن الي مقولات نمطية شائعة في حواراتنا القومية حول خطايا السلام أو خطايا السادات‏,‏ علي الرغم من ابتعادها كل البعد عن الفهم العقلاني‏,‏ والتحليل المنطقي‏.‏
ومن أكثر هذه الاتهامات سذاجة‏,‏ وأكثرها انتشارا في الوقت نفسه مقولة إن السادات كان ألعوبة في يد كيسنجر‏,‏ والولايات المتحدة‏,‏ الي جانب الحديث المألوف عن خديعة كيسنجر للسادات‏.‏ غير أن مطالعة ما كتبه كيسنجر في الجزء الثاني من مذكراته سنوات القلاقل حول الرئيس السادات وحده من بين جميع زعماء العالم الذين تعامل معهم كيسنجر في أثناء فترة عمله‏,‏ تكفي ـ وحدها ـ لكشف زيف هذه المقولة‏.‏ فبعد شرح مستفيض للفارق بين الزعماء العظام والرجال العاديين‏,‏ يؤكد كيسنجر‏'‏ أنه مدين بالعرفان لذلك الرجل العظيم‏,‏ الذي كان له ـ أي لكيسنجر ـ شرف العمل معه في خطواته الأولي نحو السلام‏'.‏ ويمضي كيسنجر مؤكدا أن‏'‏ ما فعله السادات لشعبه ولشعوب المنطقة يفوق مرارا كل ما قدمه الزعماء من أصحاب الخطب الرنانة‏,‏ ويقر بأن ما فعله السادات في سنوات قليلة يعد من قبيل المعجزات التي لم يكن متصورا أبدا أن تستغرق أقل من عقود من الزمن‏'.‏
أما السفير الأمريكي رونالد بيرجس الذي كان رئيسا لبعثة رعاية المصالح الأمريكيه في مصر خلال فترة قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر أمريكا‏,‏ فقد كتب عن السادات‏:‏ كانت للسادات أخطاؤه كبشر‏,‏ لكنه كبشر أيضا كان إنجازه لبلاده ومنطقته العربيه عظيما‏.‏ وخلال سنوات حكمه أقنع أولا إحدي الدولتين العظميين في العالم‏,‏ ثم أقنع الأخري بأن تقدما إسهامات كبيره لتحقيق أهداف مصر ورخاء الشعب المصري‏,‏ وقد اقتحم بمفرده الحدود التي فرضت علي المنطقه بواسطة أجيال من الكراهيه والغرور‏,‏ وكان قبل كل شئ‏,‏ وباعتباره واحدا من أقوي عناصر التغيير في عصره‏,‏ يفهم قوي التغيير التي تعمل بين الجنس البشري‏,‏ وسيطر عليها خلال فترة حكمه‏.‏
ثانية هذه الخطايا المنسوبة إلي الرئيس أنه كان مفاوضا سيئا‏,‏ وأنه كان بسبب تعجله للنتائج‏,‏ يفضي لكيسنجر بحقيقة السقف النهائي للمطالب والمواقف المصرية‏,‏ بينما لا تفصح إسرائيل عن حقيقة مواقفها إلا بعد مساومات ومفاوضات شاقة ومضنية‏,‏ تضطر مصر في خلالها إلي تقديم المزيد والمزيد من التنازلات‏.‏ والواقع أن الحكم علي استراتيجية السادات التفاوضية ومبادرته للسلام بالأدوات التقليدية لدراسة التفاوض الدولي فيه تجن صارخ علي الإنجاز الكبير‏.‏ وما يجري الآن هو خير شاهد علي ثمن الفرص الضائعة الذي تتحمله الأطراف العربية من جراء التفاوض واستمرار التفاوض مع حكومات إسرائيلية متتابعة تحترف التفاوض‏,‏ وخير دليل علي حنكة الرئيس السادات في انتزاع هذا القدر من المكتسبات‏,‏ من حكومة ليكودية برئاسة مناحم بيجين‏,‏ في تلك الفترة الزمنية القصيرة‏,‏ وبوساطة أمريكية منحازة تماما لإسرائيل‏.‏
فقد كان الرئيس السادات يعمل علي إحداث تغييرات في البيئة الاستراتيجية للتفاوض‏,‏ وبالتالي علي تغيير الرأي العام العالمي‏,‏ بل والرأي العام الداخلي في الولايات المتحدة وإسرائيل‏,‏ بحيث يكون مواتيا لتحقيق مطالب‏,‏ لم يكن ممكنا الوصول إليها عبر مسارات التفاوض التقليدية‏.‏ وببصيرته الواعيه أوجد السادات حقائق علي أرض الواقع لم يعد من الممكن تجاهلها‏,‏ والرجوع عنها إلي الوراء‏.‏ وأصبحت اسرائيل‏,‏ بفضل مبادرته‏,‏ بل والولايات المتحدة نفسها‏,‏ في موقف رد الفعل للمبادرة المذهلة التي أخذت الجميع علي غرة‏,‏ تماما مثلما أخذتهم مفاجأة الحرب‏.‏

ومن أبرز المغالطات في تقويم ثمار السلام المصري‏-‏الإسرائيلي اتهام السادات بتبديد مكتسبات حرب أكتوبر‏,‏ وتسلم الأرض التي اكتسبها عبر النصر‏,‏ وهي‏'‏ منقوصة السيادة‏'.‏ وهذه هي الخطيئة الرابعة المنسوبة إلي‏'‏ سلام السادات‏',‏ وهي خطيئة تركز علي الترتيبات الأمنية التي تضمنتها مباحثات كامب ديفيد‏,‏ ومن بعدها معاهدة السلام المصرية‏-‏الإسرائيلية حول تقييد التسلح‏,‏ وانتشار القوات المسلحة المصرية في سيناء‏,‏ وانتشار المراقبين الدوليين في أجزاء سيناء المطلة علي ساحل البحر المتوسط وبمحاذاة الحدود الدولية بين مصر وإسرائيل‏.‏
وتعتبر فكرة السيادة المنقوصة بالغة الغرابة في هذا السياق‏,‏ فهي تتراوح بين سوء القصد في إفراغ الإنجاز العملاق للسادات لتحرير الأرض‏,‏ من محتواه‏,‏ وسوء الفهم بمضمون فكرة السيادة‏,‏ والدور المتعارف عليه‏,‏ والمقبول دوليا لفكرة المناطق منزوعة السلاح ـ أو اتفاقيات ضبط التسلح بما فيها الموقعة بين الدول العظمي ـ في أي تسوية دولية‏.‏ فالمناطق منزوعة التسلح‏,‏ فضلا عن كونها موجودة علي جانبي الحدود‏,‏ شرق خليج السويس‏,‏ وغرب خليج العقبة‏,‏ فهي لا تنتقص بحال من السيادة المصرية الكاملة وغير المنقوصة علي كل سيناء‏,‏ حيث تنص النقطة الثانية من البند الأول من معاهدة السلام المصرية‏-‏الإسرائيلية الموقعة في‏26‏ مارس‏1979‏ علي أن‏:'‏ مصر سوف تستأنف ممارسة كامل سيادتها علي سيناء‏',‏ وتنص المذكرات التفسيرية لهذا البند‏,‏ علي أن السيادة المصرية الكاملة علي سيناء مرهونة فقط بالجدول الزمني للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية‏,‏ حيث تكون السيادة المصرية كاملة‏,‏ وغير منقوصة فور انسحاب إسرائيل‏,‏ وفقا للجداول الزمنية المتفق عليها لتنفيذ الانسحاب‏.‏
والجدير بالذكر أن الرئيس عبد الناصر نفسه كان يقبل بفكرة وجود المراقبين الدوليين في سيناء‏,‏ وقد قبل بالفعل بوجود قوات الطوارئ الدولية عقب العدوان الثلاثي عام‏.1956‏ الأمر نفسه ينطبق علي فكرة وجود مناطق منزوعة أو مقيدة التسلح علي الجانبين‏.‏ فالقرار‏242‏ الصادر عن الأمم المتحدة في‏22‏ نوفمبر‏1967‏ ـ الذي كان ومازال يعبر عن الحقوق العربية المشروعة‏,‏ ويعتبر حجر الزاوية في جميع جهود تسوية الصراع العربي‏-‏الإسرائيلي الجماعية أو الثنائية ـ يشير في النقطة الثالثة من البند الثاني إلي‏:'‏ ضمان الحرية الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة من خلال اتخاذ إجراءات تشتمل علي إقامة مناطق منزوعة السلاح‏'.‏النص نفسه تكرر في مبادرة روجرز للسلام التي وافق عليها الرئيس الراحل عبد الناصر‏,‏ حيث تنص النقطة الثالثة من المبادرة علي‏:'‏ يقوم الأطراف بالاتفاق علي وضع حدود آمنة ومتعارف عليها فيما بينهم‏...,‏ بما في ذلك الاتفاق علي مناطق منزوعة السلاح‏,‏ وترتيبات عملية للسلام في شرم الشيخ‏..'.‏

وهكذا يظهر زيف الاتهام الموجه إلي السادات بالتفريط في السيادة‏,‏ والذي ينسجم مع أوهام التخوين‏,‏ دونما التقيد بأي معيار رشيد للحكم علي الأمور‏.‏ فما فعله في هذه النقطة علي وجه التحديد هو أنه التزم بما كان الرئيس عبد الناصر نفسه قد وافق عليه بالفعل كأساس للتسوية‏,‏ ولكن نقاد السادات ـ كما هي العادة ـ يغفلون ذلك تماما‏,‏ ويكتفون بإدانة الرجل استطرادا لموقفهم الظالم والمتحجر‏.‏
أما أخطر الاتهامات الموجهة إلي الرئيس السادات‏,‏ وإلي معاهدة السلام المصرية‏-‏ الإسرائيلية‏,‏ وأجدرها بالمراجعة في الوقت نفسه‏,‏ فهي تهمة تبديد الإجماع العربي‏,‏ والتفريط في الحقوق العربية‏,‏ واتجاه مصر إلي إعلاء مصلحتها القطرية من خلال إبرامها لحل منفرد مع إسرائيل‏.‏ وبذلك يكون السادات قد غرس بذور الفتنة والفرقة في الصف العربي‏,‏ بعدما تجلت أقصي درجات التضامن والتنسيق العربي إبان حرب أكتوبر‏.1973‏

والحقيقة أن حرب أكتوبر قد شهدت تنسيقا وتضامنا عربيا غير مسبوقين‏,‏ فكانت الحرب نفسها نموذجا رائعا للتنسيق المصري ـ السوري علي الجبهة‏,‏ حيث واجهت إسرائيل في توقيت واحد‏,‏ وبكفاءة وتنسيق عال حربا حقيقية علي جبهتين عربيتين‏,‏ كما تجلي التضامن العربي في إعلان الملك فيصل عن حظر تصدير البترول إلي الولايات المتحدة وهولندا‏,‏ ردا علي المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل في الحرب‏,‏ وتضامنت الدول العربية المنتجة للبترول مع الموقف السعودي‏,‏ وألغت البحرين اتفاقية كانت تقدم بموجبها تسهيلات للولايات المتحدة في موانيها‏.‏ هذا فضلا عن المساعدات والإمدادات العسكرية التي أرسلتها معظم الدول العربية لكل من مصر وسوريا‏,‏ والتي لم يشترك معظمها في المعركة‏,‏ بسبب وصولها بعد وقف إطلاق النار‏.‏
إلا أن النظرة الموضوعية لتلك اللحظة الفريدة من الإجماع العربي‏_‏ ودون التقليل من أهميتها وبالغ تأثيرها‏-‏ لابد أن تربط بينها وبين سياقها الشامل‏,‏ فالتنسيق علي أرض المعركة‏,‏ أو في حالة الحرب لا ينفي بأي حال القدر المعروف من الخلافات العربية‏-‏العربية قبل وبعد الحرب‏,‏ بل وفي أثناء الحرب بين رؤي كل من الرئيس السادات والرئيس الأسد حول استمرار القتال‏,‏ أو قبول وقف إطلاق النار‏,‏ أو الذهاب إلي مؤتمر السلام في جنيف بعد فض الاشتباك علي الجبهتين المصرية والسورية‏.‏ وليس هنا مجال الخوض تفصيلا في الخلافات العربية‏-‏العربية في ذلك الوقت‏,‏ سواء بين كل من سوريا والعراق‏,‏ أو سوريا والأردن‏,‏ أو الأردن والمقاومة الفلسطينية‏.‏ فالاختلاف العربي حول شكل وتفصيلات التعامل مع إسرائيل‏,‏ بحيث عجزت الدول العربية عن الاتفاق علي موقف موحد تدخل به مؤتمر جنيف‏,‏ هو أمر يصعب إنكاره‏.‏
والغريب أننا حين نكيل كل هذه الاتهامات للسادات‏,‏ يفوتنا أحيانا أن بعضها يناقض البعض الآخر‏,‏ فالمفاوض الحاذق لابد أن يهتم كثيرا بعنصر المفاجأة والمبادأة‏,‏ وهو ما قد يتناقض أحيانا مع عنصري التشاور والتوافق‏,‏ خاصة أن الانتظار من أجل تحقيق حد أدني من التوافق العربي‏,‏ كان من شأنه أن يفقد مفاوضات السلام قوة الدفع‏,‏ وعنصر المبادأة الذي أخذ إسرائيل والولايات المتحدة علي غرة‏,‏ ووضعهما لأول مرة موضع رد الفعل‏.‏
الأهم من ذلك أن هذا الاتهام بـ‏'‏بيع القضية‏'‏ هو اتهام عار من الصحة‏,‏ فكل وثائق كامب ديفيد حول اتفاقية إطار التسوية في الشرق الأوسط‏,‏ التي تم الاتفاق عليها بين مصر وإسرائيل في‏17‏ سبتمبر عام‏1978,‏ وبنود معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية الموقعة في‏29‏ مارس من العام التالي‏,‏ كانت تتضمن إشارات واضحة تتعلق بالتسوية الشاملة للصراع العربي‏-‏الإسرائيلي‏,‏ في حالة قبول الدول العربية بذلك‏.‏ حيث نصت افتتاحيتا كلتا الاتفاقيتين علي أن السلام المصري ـ الإسرائيلي هو خطوة نحو السلام الشامل في المنطقة‏,‏ كما نصت علي دعوة باقي دول المنطقة إلي الدخول في اتفاقات مماثلة‏.‏

وقد اهتم الرئيس السادات بصفة خاصة بوضع ترتيبات محددة لربط السلام علي المسارين المصري والفلسطيني‏,‏ واستثمار السلام المصري‏-‏الإسرائيلي للحصول علي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني‏.‏ فقد تضمنت اتفاقية الإطار في سياق اتفاقيات كامب ديفيد نصوصا محددة حول مصير الضفة الغربية وقطاع غزة‏,‏ ونصت علي إجراء انتخابات لاختيار ممثلين عن سكان الضفة وغزة من أجل تشكيل مجلس يقوم بإدارة شئون الحكم الذاتي في مرحلة انتقالية لا تتجاوز السنوات الخمس‏.‏ وبمجرد انتخاب هذا المجلس‏,‏ تقوم إسرائيل بسحب كل قواتها العسكرية والمدنية من الضفة وغزة‏,‏ وتشكيل قوات مدنية من الفلسطينيين‏,‏ أو الأردنيين‏,‏ أو كليهما‏,‏ بحسب الاتفاق بين الأطراف المختلفة‏,‏ وهي‏:‏ مصر‏,‏ الأردن‏,‏ ممثلو الفلسطينيين‏,‏ وإسرائيل‏.‏ وبعد ثلاث سنوات علي الأكثر من هذه المرحلة الانتقالية‏,‏ تجري مناقشة الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة‏.‏ ومن ناحية ثانية‏,‏فقد تضمنت بنود الاتفاقيتين إشارات واضحة إلي ضرورة التوصل إلي حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين‏,‏ عن طريق مفاوضات تشترك فيها جميع الأطراف المعنية بالقضية‏.‏ وتشير دراسات الأكاديمي الأمريكي البارز وليام كوانت إلي أن مسألة ربط المسارين المصري والفلسطيني‏,‏ واختلاف السادات وبيجين حول تفسير اتفاقية كامب ديفيد في هذا الشأن‏,‏ كانت من أهم العقبات التي كادت تنسف معاهدة السلام المصرية‏-‏الإسرائيلية‏.‏
وقد حاول السادات التمسك بربط المسارين حين تعلل بيجين بعدم سماح الأوضاع بإجراء الانتخابات الفلسطينية للحكم الذاتي‏,‏ فعرض السادات تأجيل المرحلة الأولي من الانسحاب الإسرائيلي من سيناء‏,‏ بحيث تتزامن مع إجراء انتخابات الحكم الذاتي الفلسطيني‏.‏ ولكن مرة أخري‏,‏ خوفا من مراوغة بيجين‏,‏ وخوفا من تأجيل الإجراءين إلي أجل غير مسمي‏,‏ وإسرائيل مازالت موجودة علي أرض سيناء‏,‏ مما يهدد بضياع مكتسبات الحرب والسلام معا‏,‏ اضطر السادات إلي العدول عن فكرة الربط الزمني بين الانسحاب من سيناء‏,‏ وبداية مشوار الحل في الضفة الغربية وغزة‏.‏

وحين استقبل السادات رؤساء التحرير المصريين‏,‏ عقب مفاوضات كامب ديفيد في بيت السفير المصري في واشنطن في ذلك الوقت أشرف غربال‏,‏ قال لهم وهو في غاية الإرهاق من أثر الجولات المضنية من التفاوض والتصدي لعناد مناحم بيجين‏:‏ انني لا أخدع أحدا‏,‏ هذا ما استطعنا التوصل إليه‏,‏ لكننا لم نصل إلي حل لموضوع القدس‏,‏ وسجلنا رأينا المتطابق بشأنها مع الرأي الأمريكي في خطابات متبادلة‏,‏ كما أننا لم نصل إلي إنشاء دولة فلسطين‏,‏ لكننا وصلنا الي ما يؤدي إلي حق تقرير المصير للفلسطينيين‏.‏
ولعل أهم ما فعله السادات للدول العربية‏,‏ التي احتلت أراضيها في يونيو‏1967,‏ أنه وضع في اتفاق كامب ديفيد الأساس الخاص‏,‏ وهو مبادلة الأرض بالسلام وبشكل كامل ودون أي انتقاص لبوصة واحدة من الأراضي المحتلة‏.‏ وجاء ذلك نتيجة وضوح وتحديد كاملين في اتفاقيات كامب ديفيد‏,‏ كما نجده متكررا في المقدمة التي تقول إنها تدعو أطراف الصراع العربي‏_‏ الإسرائيلي إلي الالتزام بما سيأتي في إطار السلام في الشرق الأوسط المتفق عليه في كامب ديفيد‏.‏ ثم بعد ذلك في التمهيد الذي يقول إن هذا الإطار‏'‏ يمثل أساس السلام ليس فقط بين مصر وإسرائيل‏,‏ بل أيضا بين إسرائيل وكل من جيرانها الذين يقبلون التفاوض من أجل السلام علي أسسه‏'.‏ وللمرة الثالثة وفي الفقرة الثانية تحت العنوان‏'‏ مصر وإسرائيل‏'‏ جاء أنه بينما تقوم مصر وإسرائيل بالتفاوض‏'‏ يدعون الأطراف الأخري في الصراع إلي أن تمضي في الوقت نفسه للتفاوض والتوصل إلي معاهدات سلام مشابهة‏,‏ حتي يمكن تحقيق سلام شامل في المنطقة‏'.‏ وللمرة الرابعة‏,‏ وحتي لا يحدث أي خلط أو سوء فهم‏,‏ جاء في الفقرة الأولي تحت العنوان‏'‏ مبادئ ملحقة‏'‏ أن‏'‏ مصر وإسرائيل يذكران أن المبادئ والسوابق الواردة فيما يلي يجب أن تطبق في معاهدات السلام بين إسرائيل وكل من جيرانها‏_‏ مصر والأردن وسوريا ولبنان‏'.‏
فهل يوجد وضوح أكثر من ذلك‏,‏ إن كثيرا من النقاد والمعارضين لم يقرأوا علي الأرجح كامب ديفيد‏,‏ ولكنهم استثمروا الفرصة للهجوم علي السادات واتهامه بما لم يقم به‏,‏ والادعاء عليه بالتضحية بالمصالح العربية التي حقق لها ما لم يحققه زعيم عربي آخر‏.‏ فهل آن الأوان لأن يعيد البعض قراءة هذه الاتفاقية‏,‏ ويقارنوا بين ما جاء فيها وما تلهث الجهود للتوصل إلي بعضه‏,‏ فيكون ذلك مدخلا عادلا لإعادة تقويم السادات‏

 


إخترنا لكم من هذه المواقع وغيرها
 

الصفحة الرئيسية CNN.com EUROPE Go To YallaKora.Com سوبر كورة

The information provided on this site is designed to support, not replace, the relationship that exists between a patient/site visitor and his/her existing physician.

هذا الموقع مجانى لوجه الله تعالى ولا يقبل اى إعلانات او إعانات أو تبرعات من اى نوع ولا يوجد له اى مندوبين او ممثلين - ولا يسمح لاى فرد بتحصيل اى اموال بالنيابة عن الموقع-تحت أى مسمى او صفة

We comply with the HONcode standard for health trust worthy information:  verify here.  This website is certified by Health On the Net Foundation. Click to verify.HONConduct752563

 للتحقق. HONcode نحن نلتزم بمبادئ ميثاق

  Home 

Sponsors 

  About US 

Privacy 

Copyright 1997- 2012  www.tabebak.com All rights reserved